يحيى بن معاذ الرازي
229
جواهر التصوف
عليه من العهد والميثاق في الذر ، فحزنه يكون للتقصير ، وربما بكى وهو لا يعرف وجه بكائه ، وذلك يكون بذكره رؤية النار في الذر ، فبكاؤه لذلك ؛ وربما نظر إلى شئ مستحسن من الحيوانات ، والمياه والخضرة فيستفزه الفرح ، وذلك لما ذكر من رؤية الجنة يوم الذر ، وربما نظر إلى عبد أودع اللّه فيه الإيمان ، وزينه بزينة الإيقان ، فركبه التعظيم والهيبة ، وذلك ذكر روحه كما تقدم له من النظر إلى عظمة الرب يوم الذر ، وربما سمع النغمة الطيبة ويستحليها ويستلذ بها ، وذلك ذكر روحه لما كان يوم الذر من خطاب الحق له في الذر . * * * 370 - « حكمة الجسم في ترك نعيم الدنيا ، وحكمة الروح في ترك نعيم العقبى ، وحكمة العقل في احتمال أسرار الأولياء ، فالأولى للزاهدين ، والثانية للصادقين ، والثالثة للعارفين » . * * * 371 - الدنيا بلغ من شؤمها أن تمنيك لها يلهيك عن طاعة ربك . . فكيف الوقوع فيها ؟ ! * * * 372 - ليس بزاهد من استخدم غيره فيما يصل هو إلى فعله . * * * 373 - قيل ليحيى بن معاذ : أيصل العبد إلى درجة يسلم فيها من الذنب ومن الزهد إلى درجة يستغنى فيها عن الدنيا . فقال : هذا لا يكون ، لا يستغنى عن الدنيا أحد ، وإنما وقع التفاضل بين الناس على القليل والكثير ، فأزهدهم فيها أقلهم حظا منها ، كما لم يسلم من الدنيا أحد ، ولكن أفضلهم أقلهم ذنبا . * * * 374 - وكان رحمه اللّه يقول في العدل قولا فصلا ، قال : إن زهادكم يأمرونكم بأن يكون الدرهم أول شئ تتركونه من الدنيا ، وأنا آمركم أن يكون الدرهم آخر شئ تتركونه منها . قيل له : لم ذلك ؟ قال : لأن الدرهم معلق على شهوة النفس ، والشهوة معلقة على النفس ، فترك الدرهم من قبل إزالة الشهوة عن النفس بالسياسة خطأ ، ودخول في الطمع لمن عنده الدرهم ووقوع البلاء حتى إذا زالت بحسن السياسة هذه الشهوة عن نفسك ، ذهب عنك حب الدرهم شئت أم أبيت ضرورة ، إذ كانت علة حبك له الشهوة ، والشهوة قد ذهبت ، وبالدرهم يتم أمر هذه السياسة ، فلهذا قلت : اجعل الدرهم آخر شئ تتركه بعد الفراغ من النفس ، واعلم أن إمساك الدرهم على هذا التدبير لا يكون علاقة ، ولكنه يكون سياسة يصلح به . * * *